المرشح.!

لا أعلم ما الذي ذكرني به في ذلك المساء، كنت في إجازة ولدي الكثير من الوقت.
أحسست بالوحشة ومللت من بقائي في الشقة لوحدي فقد كنت حينها لم أتزوج بعد.
فقررت أن أذهب لزيارة صديقي في فيلته الفارهة فلي منه أشهر.
كان محمد عبدالله زميلنا في الجامعة محط إعجابنا بثقافته وبثراء عائلته، وكان الذي يدعوه منا لمنزله كمن يدخل جنة الدنيا فجأة.
فيلا فارهة وفيها المسابح والبساتين والخدم، وألوان من الطعام الفاخر وما لذ وطاب.
طرقت البوابة فخرج الحارس الذي يعرفني لكثرة ما جئت برفقة صديقي. نظر لي نظرة مريبة ثم قال:
_ صاحبك مرض لماذا لم تزره؟
ثم فتح لي الباب فدخلت.
كل شيء على حاله، الهدوء يعم المكان ولم أر أحد.!
_ غريبة.!
قلت في نفسي وأنا أطرق باب الفيلا، طرقت حتى أيقنت أنه لن يفتح لي، وحين أستدرت لأعود أدراجي فتح الباب قليلا وبدت عين واحدة، وحين عرفني أشار إلي بالدخول فدخلت.
وقبل أن يغلق الباب خرج إلى الحوش ينظر بحذر هل من أحد؟
أغلق الباب وصافحني بحماس ثم سألني باهتمام:
_ هل رأيت أحد حول الفيلا ؟
_ لم أنتبه. لماذا ؟
_ انهم يراقبوني.
_ من هم ؟
_ المخابرات العالمية كلها.
_ ...
لقد نحل جسمه وأصفر لونه، أشعث أغبر، والفيلا في غاية الفوضى كأنها قد تحولت إلى زريبة، كتب وثياب متناثرة، وأدوات، وبقايا طعام، هناك رزم من النقود فوق الطاولة، فأر مر مسرعا واتجه نحو غرفة أخرى.!
وحين سألته عن أهله والخدم أخبرني أنه طردهم ليتفرغ لشأن الأمة.!
سألته باستغراب:
_ الأمة؟!
_ نعم الأمة بحاجة إلي.!
فار آخر يمرق مسرعا تتبعه قطة لكن صاحبي ما إن رأى القطة حتى قام بسرعة يجري خلفها، طاردها من غرفة إلى أخرى، سمعت صوت مزهريات وأواني فاخرة تتكسر، هدأت الأصوات، لقد أستطاع أن يمسك بها ويكتم صراخها.
وقبل أن أسأله شرع يتحدث:
_ هذه ليست قطة، هذه مخابرات أمريكية، حتى القطط سلطوها لتتجسس علي.!
رفعها حتى قاربت وجهه وشرع يوجه رسالة للأمريكيين كأنه يتحدث إلى كاميرا:
_ انظروا يا أشباه الرجال في البنتاغون هاهي عميلتكم في قبضتي، لن تقدروا علي.
وبعد أن وجه لهم الشتائم والتهديدات أمسك بذيل القطة ثم شدخ برأسها بقوة على الجدار حتى تناثر وسط ذهولي واشمئزازي.!
لقد كدت اتقيأ لكنني تماسكت بقوة.
لقد أدركت حينها أنه قد فقد عقله.!
تجمدت مكاني فيما رمى بجثة القطة التي تقطر دما من النافذة وجلس وهو يمسح عرقه ثم قال:
_ سأطلب منك طلبا لمصلحتك.
_ .....
_ لا تزورني هنا ثانية، وإذا لقيتني في أي طريق لا تلقي علي السلام، تظاهر بأنك لا تعرفني، دعمم حتى يظهر أمري.
_ كيف سيظهر أمرك ؟
_ من خلال الخطة الأردوغانية.
_ كيف لم أفهم؟
_ في البداية سوف أترشح للمجلس المحلي " البلديات " واشتغل وأخدم شعبي كما خدم أردوغان شعبه.
ثم ستأتي انتخابات مجلس النواب وطق طق وإزقط.
_ كيف طق طق وإزقط ؟
أشار بيده كمخالب صقر قائلا:
_ يعني سأترشح لمجلس النواب وأفوز .
_ وبعدين؟
_ وبعدين سأؤسس حزب العدالة والتنمية فرع اليمن، وأردوغان سيدعمه. وستأتي انتخابات الرئاسة وسأترشح للرئاسة وطق طق هوب وأننا رئيس الجمهورية.
وبعدها سأسعى لتوحيد الأمة الإسلامية.
احترت ماذا أقول له؟
_ ربنا يوفقك.
وأستأذنته بالخروج لكنه أقسم علي أن أبقى لديه.
وبدأت اشعر بالخوف والارتباك فأنا لا أريد الصدام مع هذا المجنون.
وفجأة بدأ يحدثني بحزن وكأنه سيبكي:
_ كلهم خذلوني يا أستاذ، حتى سمية خذلتني.
_ من هي سمية ؟
_ زوجتي.
وأضاف:
_ أنا مش اسمي محمد عبدالله؟
_ نعم.
_ وأنا أقنى الأنف؟
نظرت إلى أنفه كان عاديا لكنني سأيرته قائلا:
_ نعم أنت أقنى الأنف.
_ خلاص أنا هو.
_ هو من ؟
_ من سيملأ الأرض عدلا.
لقد ذهبت إلى السعودية لأداء العمرة، وهناك بين الصفا والمروة جهرت بالدعوة بأنني المهدي المنتظر.
قاطعته:
_ وبعدين؟
_ ضربوني العسكر لو ما أنا أخضر.
كتمت ضحكتي حتى أني عضضت على شفتي بقوة أسألت الدم.
وأكد لي أنه المهدي المنتظر لكنه سيأخذ زعامة الأمة بالسياسة وبصندوق الانتخابات رغم ما فيه من دخن. وسيصل.!
أستأذنته فرفض مجددا.
وبعد أن فكر قليلا قرر أن يخرج معي.
ألتقط رزمة من النقود ومفتاح السيارة وغادرنا الفيلا وهو يتلفت، وحين خرجنا همس لي قائلا:
_ الا ترى هذا الذي يبيع الذرة ؟ والآخر الذي يبيع الآيسكريم، وصاحب البقالة ؟ هؤلاء كلهم يتجسسون علي.
ركبت معه السيارة وأنا في غاية القلق خشية أن يقود بتهور وتكون نهايتنا بحادث، لكنه ساق السيارة بهدوء وتركيز حتى وصلنا إلى مطعم الشيباني، طلب لنا عشاء وبدا عليه الهدوء والرصانة.
تعشينا بصمت وكل واحد منا يرمق الآخر بنظرة متوجسة. وحين غادرنا فوجئت به يقول لي بجدية:
_ اذا أردت هذه السيارة خذها لك وسأعود للفيلا بتاكسي.
هممت أن أقبلها منه لكني رفضت.
وسالت دموعه على خده وهو يخبرني أنه لم يزره أحد منذ أشهر، وأن الجميع سافروا وتركوه، حتى زوجته حرضوها لتطلب الطلاق في المحكمة لأنه مجنون.
وتعاطفت معه حينها. لقد كان يعاني من لوثة عقلية فالجميع تخلوا عنه، لم يناقشه أحد بلطف وهدوء.
قال:
_ الشباب أصحابي الذين كانوا يتملقون لي لأجل الفلوس صاروا يسخرون مني ويضحكون علي.
وسألني:
_ أنت ما رأيك ؟
ولم أدر حينها ماذا أقول له. سكت وطلبت أن يوصلني لأقرب مكان لسكني فأوصلني وحين نزلت سالت دموعه وهو يقول:
_ سألتك بالله لا تتركني. زورني حتى مرة كل شهر.
قلت له:
_ مش أنت طلبت مني أن لا أزورك ثانية ؟
_ صحيح لخوفي عليك لكني تعبت جدا يا أخي وأحتاج أي إنسان أتحدث إليه.
ووعدته بالزيارة.
بعد أسبوع قررت أن أذهب إليه.
طرقت البوابة فخرج لي الحارس قائلا:
_ صاحبك مسافر في الخارج.
وأضاف:
_ أبوه سار يعالجه في ألمانيا وشكله مطوله هناك.
لمحت سيارته الفارهة فعدت يتآكلني الندم لأني لم أقبل منه السيارة حين عرضها علي.
****
قصة قصيرة