الخميس 27 فبراير 2025 12:53 مـ 29 شعبان 1446 هـ
االمشهد اليمني
Embedded Image
×

غزة بين مطرقة نتنياهو وسندان ترمب

الخميس 27 فبراير 2025 10:21 صـ 29 شعبان 1446 هـ

حتماً... سوف يذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أبعد ما يستطيع في تنفيذ مخططه بشأن غزة والضفة الغربية ولبنان وباقي المنطقة، متخذا من بعض الاتفاقات "التكتيكية" التي أبرمتها حكومته لوقف إطلاق النار واستعادة الرهائن "إسفنجة" لامتصاص بعض الغضب والاحتقان عالميا تجاه حربه الوحشية وطويلة الأمد التي يريد أن يصل بها إلى تصفية القضية الفلسطينية والثأر من إيران.

اليوم مع بلوغ الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي ذروته أكثر مما كان عليه على مدى 70 عاما لا يبدو أن ثمة أملا البتة في سلام مع أي حكومة إسرائيلية يقودها سياسي مثل نتنياهو وشركائه من اليمين المتطرف أو حلفائه من ذات التوجه في إدارة ترمب، فمنذ أن كان الرجل مستشارا صغيرا لوفد إسرائيل في مفاوضات مؤتمر مدريد للسلام مع الفلسطينيين العام 1991 ظل حلم نتنياهو ولا يزال هو عرقلة أي اتفاق سلام، ومنع قيام دولة فلسطينية بأي حال وتصفية هذه القضية تماما، وزاد عليه اليوم أنه لا يريد رؤية الفلسطينيين على أرضهم حتى في ظل الاحتلال لما بقي من هذه الأرض المحروقة والمدمرة بأيديهم.

ومنذ البداية كان هذا المخطط واضحا وأهدافه جلية، وظهر نتنياهو متلاعبا ومستغلا سياسة "البطة العرجاء" أواخر ولاية الرئيس الأميركي السابق جو بايدن لكسب الوقت وانتظار مجيء حليف إسرائيل القوي دونالد ترمب الذي زادت مقترحاته من جعل ذلك "المخطط" يبدو أكثر وضوحا، بل وفجاجة.

هل كان مخطط التصفية والتهجير مفاجئا؟

كلا لم يكن هذا جديدا منذ اغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي الراحل إسحق رابين في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1995، على يد الشاب إيغال عامير الذي اتهم رابين بـ"خيانة الشعب اليهودي" بسبب رغبته في إنهاء وجود عدد كبير من الإسرائيليين بمناطق الضفة الغربية بمقتضى اتفاقيات أوسلو التي وضعت الأساس لترتيبات الحكم الذاتي الفلسطيني، سعيا إلى سلام نهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين وإقرار حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وفق قرارات مجلس الأمن الدولي رقم 242 و338.

وتنصلت كل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من ذلك الاتفاق الذي وقعه رابين مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في حديقة البيت الأبيض، إنما ظلت تلك الحكومات تضرب عرض الحائط بكل ما له علاقة بإمكانية إقامة دولة مستقلة متصلة جغرافيا.

ما من خطة بديلة، عربية أو دولية، أنسب من المقترح الذي طرحته مصر وهي أكثر طرف في المنطقة معني بالوضع في قطاع غزة المجاور لها منذ أمد بعيد

ثم جاء "قانون القومية" الذي أقره الكنيست الإسرائيلي عام 2018، ونصَّ على أن "إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي"، وليرفص الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، ليصبح تهجير الفلسطينيين من أراضيهم هدفا لحكومات إسرائيل ما يعني الرفض التام لأي طرح عن موضوع اسمه "الدولة الفلسطينية".

إذن فالأمر قديم، لكن الجديد والمفاجئ فيه هو أن "تتبناه" الولايات المتحدة الأميركية جملة وتفصيلا عقب عودة ترمب إلى البيت الأبيض، وذلك بعد أن ظلت الإدارات الأميركية السابقة بما فيها الجمهورية ترى أن "حل الدولتين" هو السبيل الوحيد لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

أبعد من ذلك

أبلغ نتنياهو وفدا من الكونغرس زار إسرائيل أن تحالف حكومته اليوم مع واشنطن "أقوى من أي وقت مضى، وسوف يساعد في تحقيق جميع أهداف الحرب بشكل مشترك"، وذلك بما يكفي للتأكيد على أن ما يجري هي حرب ترمب القادمة، متخذا من الحفاظ وضمان أمن إسرائيل مبررا وواجهة لها.

ما خيارات العرب لدعم الفلسطينيين؟

من غير المؤمل أن تؤدي نتائج القمتين العربيتين المصغرة في الرياض والطارئة في القاهرة إلا إلى "فرملة" اندفاع نتنياهو في تنفيذ مخططاته في أحسن حال، خصوصا في ظل تربع حليفه ترمب على مقعده في المكتب البيضاوي، واستحالة أن يمارس الأخير أي نوع من الضغط لـ"تهدئة" ذلك الاندفاع، مراعاة لمطالب وضغوط حلفائه العرب على الأقل.

ما قد يستجيب له رجل الصفقات ترمب، هو تخفيف "إنساني" جزئي للحصار الإسرائيلي على قطاع غزة يقابله ابتزاز لحلفائه الخليجيين وتراجع نسبي في تهديداته لمصر والأردن. أما عن القبول ببديل عربي لإدارة غزة فأمامه عقبات إسرائيلية جمة.

الخطة المصرية

تطرح القاهرة خطة بديلة لمقترحات ترمب تبدو أكثر ملاءمة بمعيار التطورات والظروف القائمة بعد الحرب في غزة، وكذلك لـ"مواجهة أي رؤى أو خطط أخرى تهدف إلى تغيير التركيبة الجغرافية والديموغرافية لقطاع غزة" كما ذكرت صحيفة "الأهرام" المصرية التي أوضحت أن المقترح يتضمن إنشاء "مناطق آمنة" داخل غزة يمكن أن يعيش فيها الفلسطينيون بشكل مؤقت، بينما تقوم شركات مصرية ودولية بإزالة وإعادة تأهيل بنية القطاع التحتية.

تسعى مصر لحشد التأييد والدعم العربي والدولي اللازم لهذه الخطة، وكذلك لتوفير التمويل اللازم لتنفيذها خلال خمس سنوات.

ما من خطة بديلة، عربية أو دولية، أنسب من هذا المقترح الذي طرحته مصر وهي أكثر طرف في المنطقة معني بالوضع في قطاع غزة المجاور لها منذ أمد بعيد، وتبذل اليوم أقصى جهودها للدفع قدما بمفاوضات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق في غزة.

ولكن إلى أي مدى يمكن للمقترح المصري أن يجد طريقه إلى القبول به وتنفيذه؟ الأرجح إلى حد كبير أن يلقى هذا المقترح استجابة من أغلب الدول الأوروبية وغيرها، لكنه سيظل من المتعذر ترجمة أي خطة لإعادة الإعمار في غزة قبل التوصل إلى اتفاق بخصوص المرحلة الثانية، وكيفية إدارة القطاع مستقبلا.

على نطاق أوسع سوف يحاول نتنياهو استغلال المناخ الإقليمي والدولي في بداية العهد الرئاسي الجديد لترمب لممارسة ألاعيبه ومناوراته المعهودة، وذلك في سبيل العرقلة ووضع العصي في عجلات أي مسعى لاستعادة الأمن والاستقرار في المنطقة ما لم يصب هذا في مصلحة مخططاته وطموحاته اللامحدودة، الشخصي منها في البقاء على رأس الحكومة، أو السياسي في إسدال الستار على مشروع حل الدولتين ودفنه تحت أنقاض ما خلفته حربه في غزة وعملياته العسكرية في الضفة الغربية المحتلة.

ومن جانبه لن يتوقف ترمب عن خلط المزيد من الأوراق في قضايا عالمية عدة كالحربين الروسية في أوكرانيا والتجارية مع الصين، لجعل كل من أوروبا وموسكو وبكين تنشغلان بقضاياها وعدم القدرة على ممارسة أي دور أو ضغوط عليه أو نتنياهو في ما يخص مستقبل الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية.

السيناريوهات المحتملة

لا بد أنه سوف يكون من المحيّر لإسرائيل وقادة جيشها ومخابراتها، بل والمثير لتساؤل المعارضة والرأي العام الإسرائيلي، كيف أنه بعد كل الكلفة المادية الضخمة والبشرية المؤلمة التي تكبدتها إسرائيل خلال "حرب الإبادة" الممنهجة وبعد الضخ الإعلامي الهائل من قبل وسائل إعلامها حول إنجازات حربها، أن ترى عند مراسم تبادل محتجزيها مع "حماس" و"الجهاد الإسلامي" وغيرهما، مقاتلين فلسطينيين أشداء يعملون في أجواء "احتفالية" على إتمام صفقة التبادل بثقة واضحة، إذ كيف وأين استطاع هؤلاء الاختفاء خلال تلك الحرب الضروس والاحتماء بأنفسهم ورهائنهم وبالكثير من إمكاناتهم، الأمر الذي قد يبعث على كثير من الأسئلة حول نجاعة وجدوى العملية العسكرية الإسرائيلية الهائلة في قطاع غزة، وقد يكون هذا أدعى إلى تذكير نتنياهو وحلفائه من اليمين المتطرف بأنه لا يمكن اجتثاث شعب بأكمله من أرضه الضاربة جذورها في أطناب ترابه مهما بلغ التنكيل به، وأنه لا محالة مما ليس منه بد.. وهو دولتان، فلسطينية وإسرائيلية تعيشان في أمن وسلام.. لعل هذا ما أخذ يتردد اليوم ليس في صفوف المعارضة الإسرائيلية بل في كثير من تحليلات عدد من الإسرائيليين لنتائج الحرب.

ولكن هذا قد لا يمنع من أن تعود إسرائيل إلى القتال لذلك السبب حالما تتأكد من استلام جميع محتجزيها لدى الفصائل الفلسطينية، وذلك أمر وارد بقوة فالحرب بالنسبة لنتنياهو مبرر للبقاء في منصبه ما دامت إسرائيل في حالة حرب "مقدسة" و"حساب مفتوح" مع أعدائها كما يردد على الدوام.

سيناريو آخر

أميركياً، بل لنقل ترمبياً، ربما تخضع كل الخيارات البديلة أو المتاحة لمنطق المساومة الصعبة والمضاربة بالمصالح الفلسطينية جريا على أسلوب تفكير ترمب وطريقة عمله.

لكن كل هذا يبدو غير كاف لتجنب الأسوأ إذا ظل ترمب يصر على فرض قناعاته بهذا النهج أو ما يشابهه، فالنتيجة في النهاية ستظل واحدة، وهي أنه لا سلام ولا استقرار، لا للفلسطينيين ولا حتى لإسرائيل مهما بلغ اطمئنان الأخيرة إلى قوة تحالفها مع إدارة ترمب التي يرى فيها اليمين الإسرائيلي والأميركي أفضل حليف لإسرائيل جاء إلى البيت الأبيض.

رحلة العالم المضنية مع ترمب لا تزال في بداياتها، طرقاتها شائكة، ومحطاتها لن تأذن بالوصول إلى نهاية لمفاجآت ترمب، فالرجل عاد إلى البيت الأبيض ناقما، ومستعدا لتقويض كل ما اعتبره وزير الخارجية الأميركي السابق أنتوني بلينكن إنجازات أحرزتها السياسة الخارجية لإدارة جو بايدن الديمقراطية السابقة، وهي السياسات التي تعهد ترمب بمخالفتها جميعا بما في ذلك أيضا ما يتعلق بالسياسات الداخلية للولايات المتحدة.

*المجلة

موضوعات متعلقة