الخميس 3 أبريل 2025 04:40 مـ 5 شوال 1446 هـ
االمشهد اليمني
Embedded Image
×

الشيخ مقبل بن هادي الوادعي.. مجدد السلفية الحديثة في اليمن

الأربعاء 2 أبريل 2025 04:19 مـ 4 شوال 1446 هـ

في الأثر الصوفي: من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة، ولا شك أن صلابة البدايات تؤسس لعظمة النهايات؛ لأن من ولدوا بين الأعاصير لا يخشون بعدها هبوب الرياح. وكما يقول جلال الدين الرومي:
لا تُشرق الروحُ إلا من دُجى ألمٍ هل تُزهر الأرضُ إلّا إنْ بكى المطرُ

ومما يُنسب للتبريزي:
إنّ في الحياة فترات انتقالية لا يمكن اجتيازها دون أن يموت شيءٌ ما بداخلك!

تجاوز العقبات وتحدي الصعاب وتحويل الجبال الشاهقة إلى صروح للتخطي شأن العظماء في كل زمانٍ ومكان. وهذه بداية عالم كبير من علماء اليمن الأفذاذ، ومحدثيها الكبار الذين صاروا مرجعيات علمية، وحديث الناس في كل زمان ومكان.

الشيخ العلامة مقبل بن هادي بن مقبل بن قائدة الوادعي الخلالي، المولود في محافظة صعدة، سنة 1932م.

التحق بكتاب القرية صغيرًا، ولظروف عائلية انقطع عن التعليم، راحلا إلى بلاد الحرمين الشريفين، فعمل حارسا في عمارة بحارة الحجون، بمكة المكرمة في بداية شبابه، وقد كان يتيم الأبوين، حيث مات أبوه وهو صغير، وماتت أمه قبل البلوغ.

وأثناء ذلك استطاع قراءة بعض الكتب التي وقعت في يديه، مثل:
صحيح البخاري، ورياض الصالحين، وبلوغ المرام، وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ولشدة نهمه على القراءة وقوة ذاكرته في الحفظ استطاع هضمها، مستزيدًا من غيرها.

عاد من مكة المكرمة إلى بلاده صعدة، وحاول الالتحاق بحلقات جامع الهادي بصعدة، إلا أنه لم يتصالح معها نفسيا، نظرا لتطرفها وغلوها، ولهجوم المتعصبين عليه إلى حد دعوة بعضهم إلى قتله، وتهديد آخرين له بالسجن؛ بل لقد تم سجنه لاحقا، فاقتصر في تعلمه على علوم اللغة.

ارتحل في ستينيات القرن الماضي إلى نجران أولا، ثم إلى بقية مدن المملكة العربية السعودية، للعمل والعلم معا، حيث يذكر أنه كان يشتغل إن وجد شغلا، وفي الليل يطلب العلم على يد شيوخ الحرم المكي، حتى فُتح معهد الحرم المكي، فكان من أوائل الملتحقين به إلى جانب الحفاظ على حلقات المشائخ في الحرم.

وحين أمضى ست سنواتٍ في معهد الحرم المكي، وتخرج منه التحق بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، فدرس في كلية أصول الدين، منتظما، وفي كلية الشريعة والقانون منتسبا، وحصل على الشهادتين من الكليتين في نفس الوقت، في العام 1974م، ليلتحقَ بعد فترةٍ ببرنامج الماجستير مباشرة في السنة التالية للتخرج، وحصل على الماجستير في علوم الحديث.

في نهاية العام 1979م تم ترحيله إلى اليمن، فاستقر في قريته بصعدة، وفتح فيها رباطا علميا للطلبة، يعلمهم القرآن الكريم وعلوم الدين واللغة، سماه دار الحديث، ولحقته مكتبته الشخصية التي بعد جهد جهيد، وبها أسس النواة الأولى لمركز دماج وسط اعتراض عليه من غلاة الشيعة، ولولا دعم قبيلته وادعة كما يذكر، وبعض مشايخ القبائل كالشيخ حسين بن فائد مجلي لما استطاع البقاء بين غلاة الجارودية.

وقد توسع هذا المركز بكل مرافقه، وبلغ منتسبوه من الطلبة المئات، مع عوائلهم، لا من اليمن فحسب؛ ولكن من مختلف الأقطار العربية وغير العربية، بل لقد بلغوا في آخر إحصائية أكثر من ألفي طالب. واعتبر الكثير الشيخ مقبل بن هادي الوادعي مجدد الدعوة السلفية في اليمن. ومن هذا الدار، وهذه المدرسة تناسلت المدارس والمراكز السلفية في مختلف مناطق اليمن.

علميا أخذ الشيخ مقبل بن هادي الوادعي بالمذهب الحنبلي، وبمنهج أهل الحديث، وقد تأثر بالدعوة الوهابية النجدية، متخذا موقفا حديا من الأحزاب السياسية والديموقراطية والانتخابات والجمعيات، مكتفيا بطلب العلم ونشره، ومما يُحسب له الدعوة بالتي هي أحسن، ولم يؤثر عنه أنه دعا إلى العنف أو حمل السلاح على أحد. صحيح كانت لهم بعض الآراء الفقهية الحادة أحيانا، لكنها خالية من العنف الذي نراه عند شيوخ وأتباع الجارودية الرسية.

لعبَ الشيخ مقبل وتلاميذه دورا تنويريا كبيرا في تحطيم الأوثان البشرية في تلك البيئة الجارودية المنغلقة من خلال إبطال تلك الخرافات والأساطير التي تطفح بها كتب السلالة الإمامية، وأغلبها ــ إن لم تكن كلها ــ أحاديث ضعيفة أو موضوعة لا أصل لها ولا سند، وكانت تنطلي على أذهان البسطاء من عامة الناس الذين غرر عليهم كهنة الجارودية عقودا طويلة من الزمن، حتى جعلوا من تلك الأساطير والخرافات دينا، فدحضها وأبطلها بالحجج العلمية القاطعة، الأمر الذي استفز هؤلاء الكهنة، فحاربوه وكادوا له، وتآمروا عليه، وشنعوا عليه وعلى مركزه وجماعته، وقد دمغوهم بتهمة التكفير.

والواقع أنه ما تشدد الشيخ مقبل الوادعي وأتباعه بشيءٍ قياسًا إلى تشدد وتطرف الإمامية الجارودية التي تنشر فكرها بقوة السلاح. لقد بقي الشيخ مقبل الوادعي وتلاميذه عقودا في صعدة، ولم نسمع عنهم أنهم حملوا السلاح على أحد، أو نشروا فكرهم بالقوة، أو سطوا على مؤسسة من مؤسسات الدولة، خلاف كهنة الهادوية الذين اجترحوا الجنايات الكبرى بحق اليمنيين، وجهلوا أبناء القبائل، ليجعلوا منهم حطبا لحروبهم العبثية، في الوقت الذي اهتم الشيخ مقبل وأتباعه بتعليم عامة الناس، وتعليم المرأة، وكان يعامل هؤلاء الطلبة جميعا بمختلف أعراقهم وأجناسهم وألوانهم كما يُعامل أبناءه، مكرسا المساواة بين الجميع، ومحطما أوهام الاصطفاء العرقي والتمايز السلالي الذي يدعيه البعض لأنفسهم، متحملا همومهم ومشاغلهم، وقد روي عنه أحد مقربيه أن قال:

"أعظم مشقة تواجهني أعظم من مواجهة المبتدعة، وأعظم من التأليف هي حاجات الطلاب"، بل لقد كان يتصدق على طلابه بكل ما يملك في جيبه أحيانا، ولطالما تزوج كثير من الشباب على نفقته أو ساعدهم على ذلك. وشخصيا فقد سمعت من بعض الشيوخ من ثناء عاطرًا عليه، في نزاهته المالية وزهده وورعه، ولهذا كان محل ثقة الكثير من أهل الخير الذين يرسلون إليه الأموال لصالح المركز، واثقين من أن عطاءهم سيكون في مكانه الصحيح.

وقد أوقف ما يملك لصالح هذا الدار في وصيته التي كتبها قبل وفاته، كما أوصى قبيلته وادعة بالحفاظ على دار الحديث، كما قاموا بنصرته في بداية أمره، مثنيا على بعض تلاميذه الأوفياء من العلماء الأفاضل الذين أوصى بالأخذ برأيهم، وأبرزهم الشيخ يحيى الحجوري، والشيخ أبو الحسن الماربي، والشيخ محمد بن عبدالوهاب الوصابي، والشيخ عبدالعزيز البرعي، والشيخ عبدالرحمن العدني، وغيرهم.

رحم الله شيخ الشيوخ العلامة الإمام مقبل بن هادي الوادعي الذي رحل عن دنيانا، في يوليو من العام 2001م، بمدينة جدة في المملكة العربية السعودية، ودفن بمقبرة العدل بمكة المكرمة، وقد أسس مدرسة علمية ناجزة في اليمن، من خلال تلاميذه الذين أصبحوا اليوم شيوخًا كبارًا في مختلف مناطق اليمن، مناهضين بفكرهم ومعتقدهم لخرافات الدجل والكهنوت الإمامي البغيض.