لماذا يكره الحوثيون الوهابيّة؟

تحت هذا العنوان أشارَ الزميل العزيز الكاتب همدان العليي في مقالٍ له إلى نقطةٍ مهمّةٍ تتعلقُ بجوهرِ الصّراع الحقيقي بين الوهابيّة والإمامة الشيعيّة، وهي أنّ الوهابية قد "نجحت في تفكيكِ أكاذيبِ خرافة آل البيت، وتقديس القبور والأضرحة، ولأنّ فكر الوهابيّةِ انتقل لكل الدول العربيّة والإسلامية". ا. هـ.
في الواقع مهما كانت نقاطُ الخلاف أو الاختلاف مع الوهابيّة، سواء في مجالِ العقائد ــ وهو محدودٌ جدًا ــ أم الفقهيّات فإنّ ثمة جانبًا مشرقًا لها لم نتنبه له إلا مؤخرًا، وهو تحطيمُ صَنميّة ما يُسمّى "آل البيت"، ودحض خرافاتها وأساطيرها التي تم اختلاقها والترويج لها من وقتٍ مبكر؛ بل وإدخالها في صَميمِ العقائد..! هذا إلى جانبِ إيجابياتٍ كثيرةٍ أخرى، مناوئةٍ للفكرِ الإمامي الكهنوتي، ليس هنا مجال إحصائها.
من عقودٍ طويلةٍ عملت الإمامة في اليمن على شيطنة الوهابيّة النجديّة، وإن شئتَ قل: الحنبليّة بشكل عام، باعتبار الوهابيّة النجدية امتدادًا حنبليًا، من إيجابياتها أنها ــ منهجيًا ــ تدورُ حول "النص الديني"، كشاهد تاريخي، بضوابطه الشّرعيّة المنهجيّة الصّارمة، المتفق عليها في المذهب السني بشكل عام، وإن من تكييفٍ للنص، أو خروجٍ عنه أحيانًا فهو محدودٌ للغاية، ومنضبط، بحيث يتحققُ في إطاره المقاصد العامّة للشرع، بمعنى أوضح، الأمرُ هكذا: النص أولا، والفقيه ثانيا؛ خلاف المنهجيّة الشيعيّة التي تدورُ حولَ الفقيه/ الشخص"، أي: الفقيه أولا، والنص ثانيا..!
ومن هنا تتناسلُ الخرافاتُ وتتكاثرُ الأساطيرُ في الفكرِ الشّيعي بشكلٍ عام، على عددِ الفقهاء أنفسهم؛ لأنّ الدينَ عندهم هو ما قاله الفقيه، لا ما حدده النص، أو الأثر التاريخي، ولهذا يطفح مثلا كتاب "الكافي" للكليني، "بخاري الشيعة" بكل ذلك الهُراءِ السّخيف، مما يُسمى أحاديث نبوية، نُسبت زورًا وبهتانًا للنبي صلى لله عليه وسلم، والتي حقها أن تدخلَ في مجال الميثولوجيا، لا مجال الأديان، كما تطفح بقيّة كتب ومرويّات الشّيعة بهراءاتٍ كثر لا حصرَ لها..!
مرة أخرى.. تمت شيطنة الوهابيّة، والحنبليّة، وإن شئت قل: المذاهب السُّنية بشكلٍ عام، لأغراضٍ سياسيّة بحتة، وإن أخذ هذا الخلافُ لبوسَ الخلافات العلميّة، وتم توجيه حملات منظمة بوسائلَ متعددة، تبنتها أجهزةُ استخباراتٍ ومؤسساتٍ ثقافيّة إقليميّة ودوليّة، للنيل من "السُّنيّة السياسيّة" لصالح الشيعيّة السياسيّة، والتشيعُ من أساسه فكرة سياسيّة.
قد لا يكونُ هذا الأهم هنا، الأهمّ أنّ هذه الشيطنة المُمنهجة قد انطلت على بعضِ النُّخبِ الثقافيّة والفكريّة السُّنيّة، حتى أصبحت تتبنى وجهة نظرِ هذه الأجهزة والمؤسسات المُعادية، منطلقة من ثلماتٍ وُجدت داخلَ المنظومةِ الفكريّة السّنية، أو بعض الآراءِ الشّاذة التي حُسبت على الفكر السني، ضخمتها هذه الأجهزة، ونفخت فيها عبر شخصياتها الثقافيّة التي تم الترويج لأقلامها وتصديرها كأنتلجنسيا ثقافيّة عابرة للحدود، إلى حد أننا في اليمنِ قد نسينا طغيانَ وكهانة ألف عام من الخرافة والدجل والشّعوذة الإماميّة الجاروديّة، في مقابل توجيه سهامنا نحو أعلام الفكر السُّني الجمهوري في صَفنا، غائصين ننبشُ في قضايا تاريخيّة عتيقة عفا عليها الزمن، حتى أصبحنا ــ دونَ وعيٍ أو إدراك ــ رديفًا مساعدًا لعدونا من حيث لا ندري، وهو خلل ثقافي وفكري يعكس ــ فيما يعكس ــ قصرَ نظرٍ في التخطيط الثقافي والفكري الذي كان يجبُ أن تضطلعَ به الدولة عبر مؤسساتها الرسميّة، وأيضًا النخب الثقافيّة المستنيرة من قبلنا، يمينًا ويسارًا، ولم نتنبه أننا في الطريقِ الخطأ إلا بعد أن وقعَ الفأسُ في الرأس.
على أيةِ حال.. المعركة ــ في جوهرها ــ ثقافيّة فكريّة، والحروبُ العسكريّة اليومَ في اليمنِ نتيجة حتميّة لفراغِ الفكرِ وخواءِ الثقافة التي كان يجبُ أن تكتنزَ بهما أدمغة الأجيالِ المتعاقبة منذ قيام الثورة على الأقل، قبل أن يتمَّ حشوها من جديد بالفكر الظلامي الإمامي المتطرف الذي قتل وشرد ونكل باليمنيين طويلا، ولا يزال. ويقتضي الواجبُ اليومَ ألا نكررَ أخطاءَ الرعيلِ الأولِ من الآباءِ الأحرار الذين أنجزوا الثورة السّياسيّة؛ لكنهم لم ينجزوا الثورة الثقافيّة، أو قل: أخفقوا ــ إلى حدٍّ كبير ــ فيها.