”يمّه سامحيني”.. فيديو يوثق اللحظات الأخيرة لمسعف فلسطيني قبل استشهاده في هجوم اسرائيلي مباشر

في لحظات من الألم والموت، قبيل أن تسكت أنفاسه ويغيب جسده عن هذه الحياة، استمر صوت المسعف الفلسطيني يصدح عبر الهاتف المحمول الذي كان يحمله أثناء محاولته إنقاذ المصابين تحت قصف الاحتلال الإسرائيلي. كانت الكلمات تتسابق على لسانه، وكأنها آخر ما سيرويه للعالم قبل أن يودع الحياة في تلك اللحظات المروعة.
في حادثة مؤلمة وقعت في رفح جنوبي غزة، وثَّق أحد المسعفين لحظات مريرة قبيل استهدافه من قبل القوات الإسرائيلية، لتكتب الكاميرا آخر لحظات من حياة هذا البطل الذي جند نفسه لخدمة الإنسانية، وسط المذبحة التي تعرضت لها طواقم الإسعاف الفلسطينية. الفيديو الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية كشف عن جريمة إسرائيلية جديدة بحق فرق الإغاثة، وكذَّب الرواية الإسرائيلية التي زعمت أن الاستهداف كان لمركبات "تتحرك بطريقة مريبة".
يُسمع في الفيديو المأساوي، الذي حصلت الصحيفة عليه من أحد الدبلوماسيين في الأمم المتحدة، صوت المسعف وهو يردد دعواته في البداية: "يا رب يكونوا بخير.. هاي مرميين مرميين.. بسرعة، بسرعة"، خلال اقترابه من سيارة إسعاف كانت تقل المصابين. ثم، فجأة، اجتاحت رصاصات الاحتلال المكان، ليطغى على الأجواء صمت مرعب، قبل أن يعود صوته مرة أخرى، يردد الشهادتين في نبرة اختلطت بالآلام: "سامحونا يا شباب.. يا رب تقبلنا.. يا رب إني أتوب إليك وأستغفرك يا رب.. سامحونا يا شباب".
بينما كان المسعف يلفظ أنفاسه الأخيرة، لم يكن في قلبه سوى دعاء لا ينقطع: "تقبلني شهيداً يا الله... يمّه سامحيني... والله ما اخترت هذا الطريق إلا لأجل مساعدة الناس"، ثم اختتم دعاءه بكلماتٍ تمزج بين الندم والوداع: "يا رب تب عليّ... يا رب إن كتبتني من الشهداء تقبّلني"، لينتقل بعد ذلك ليردد كلمات "أجوا اليهود... أجوا اليهود"، مع اقتراب قوات الاحتلال من موقعهم.
إحدى المتحدثات باسم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، نبال فرسخ، أكدت أن المسعف الذي صور الفيديو أصيب برصاصة قاتلة في رأسه، وهو ما أكده تقرير الصحيفة الأميركية، التي نقلت عن مصدر دبلوماسي في الأمم المتحدة أن الجثامين الـ14 التي تم العثور عليها في المقبرة الجماعية بعد المجزرة تشمل 8 من أفراد الهلال الأحمر، بالإضافة إلى 5 من الدفاع المدني وموظف في وكالة أممية.
من جهتها، عبَّرت الجمعية عن "صدمتها البالغة" إزاء الاعتداء على طواقمها، مؤكدة أن تلك الطواقم كانت ترتدي الشارات الدولية التي تحميها بموجب القانون الدولي الإنساني، مما يجعل الاستهداف جريمة حرب واضحة. اللجنة الدولية للصليب الأحمر هي الأخرى، أعربت عن صدمتها البالغة، بعد أن انقطع الاتصال مع فرق الإنقاذ منذ 23 مارس/آذار، ليتم العثور على جثثهم في المقبرة الجماعية.
هذا الهجوم الإسرائيلي يأتي في وقتٍ يزداد فيه حجم المأساة الإنسانية في غزة، حيث قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 27 من أفراد طواقم الهلال الأحمر منذ أكتوبر الماضي، ما يُعد انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية التي تحظر استهداف فرق الإنقاذ.
لكن رغم هذه الانتهاكات والجرائم المتواصلة، يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تهديداته بتصعيد مجازر الإبادة ضد الفلسطينيين، وهو ما يلقى دعماً أمريكياً غير محدود. الحرب الإسرائيلية على غزة لم تقتصر على تدمير المنازل والمرافق، بل كانت أداة لتدمير الأرواح، حيث خلفت أكثر من 165 ألف شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء، في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية التي شهدها القطاع في تاريخه الحديث.
بينما تواصل إسرائيل حصارها الجائر على غزة، تظل نداءات المجتمع الدولي لوقف إطلاق النار تتوالى، لكن دون جدوى، ليبقى القطاع تحت جريمة الإبادة الإسرائيلية، التي لا تميز بين طفل أو مسعف، بين مدني أو مقاتل.
في تلك اللحظات التي وثقها الفيديو الأخير، تبرز إنسانية هؤلاء المسعفين الذين ما لبثوا أن فقدوا حياتهم أثناء محاولتهم تقديم المساعدة لمن كانوا في أمس الحاجة إليها. يظل السؤال يطاردنا: أين هي العدالة في عالم يضيع فيه الضحايا ما بين دوي القنابل وصمت المجتمع الدولي الذي يتغنى كذبًا بالإنسانية؟.