الثلاثاء 1 أبريل 2025 12:10 صـ 2 شوال 1446 هـ
االمشهد اليمني
Embedded Image
×

الإمام الشوكاني.. جهوده الفكرية والعلمية

السبت 29 مارس 2025 01:53 مـ 30 رمضان 1446 هـ

محمد بن علي بن محمد الشوكاني، الملقب بـبدر الدين الشوكاني، أحد أبرز علماء أهل السنة والجماعة وفقهائها، ومن كبار علماء اليمن ولد في هجرة شوكان في اليمن سنة 1173 هـ ونشأ بصنعاء، وولي قضاءها سنة 1229 هـ ومات حاكمًا بها في سنة 1250 هـ.

لم يكن الإمامُ محمد بن علي الشوكاني فقيهًا ومجددًا دينيًا فحسب؛ بل كان صاحبَ نظرٍ عميقٍ في الفكرِ والسّياسةِ والتاريخِ أيضًا.

كانت مؤلفاتُه في أغلبها ــ والتي تزيد عن 120 مؤلفًا ــ ردًا على رُكامات الزيفِ الكهنوتي خلال مئاتِ السنين قبله، في تلك البيئة التي تفرّخ فيها هذا الفكر كثيرًا، داحضًا أباطيلها وكهنوتها بأدواته العلمية الراسخة، وقد فاقَ فقهاء الكيان الإمامي علما وفقهًا وثقافة، فكان موضع احترام وتقدير الخاصة والعامة، ولهذا تولى منصب "قاضي القضاة" لثلاثة آئمة متتالين، المنصور علي بن المهدي عباس، والمتوكل أحمد بن المنصور علي، والإمام المهدي عبدالله بن المتوكل أحمد.

وعودة إلى أشهر مؤلفاته التي كانت ردا مباشرا على ما ساد من معارف فقهية وثقافية في وعي الناس آنذاك، من نتاج فقهاء الإمامة وأئمتها الذين سوّقوا للناس ثقافة مغلوطة وفكرا مزيفا، توارثوه عن أسلافهم، فانبرى الإمامُ الشوكاني مفندا أباطيلَ وخرافات هذا الكيان، كالتالي:

ــ ألّفَ موسوعته الفقهية "السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار" ردًا على كتاب "متن الأزهار في فقه الأئمة الأطهار" لأحمد بن يحيى المرتضى، والكتاب الأخير يعتبره الأئمة منذ القرن الثامن الهجري وحتى اليوم المرجعية الدستورية لهم، فألف الإمام الشوكاني موسوعته الفقهية المذكورة مُفندًا دعاوى ومسائل المرتضى التي ناقشها ودحضها، الأمر الذي جعل فقيها جاروديا متعصبا كابن حريوة السماوي يفقد صوابه، محاولا الرد على الإمام الشوكاني في كتابه "الغطمطم الزخار المطهر لرياض الأزهار من آثار السيل الجرار" ويقصد برياض الأزهار هنا كتاب المرتضى، من آثار "السيل الجرار": كتاب الشوكاني، وقد ملأ كتابه المذكور بأقذع الألفاظ التي لا تليقُ بإنسان، ناهيك عن شخص يدعي العلم والفضيلة والفقه، وجميعها تنال من الإمام الشوكاني..!

ولم يقتنع ابن حريوة السماوي بذلك، بل هجا الشوكاني بقصيدة شعرية خاصة، كما فعل الشاعر "الحسن بن علي بن جابر الهَبَل" مع الإمام المقبلي من قبل.

وحين كان كتاب "الكشاف" للزمخشري في التفسير هو السّائد في عهده، والمعتمد لدى الأئمة، فقد ألف الإمام الشوكاني موسوعته العلمية في التفسير المسماة "فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير" وتعمد الإمام الشوكاني أن يتبع فيه نهج الزمخشري الذي ركز فيه على اللغة من نحو وصرف وبيان، ولكن مصححًا بعض المفاهيم التي تتفق مع رأي الجمهور، والتي شذ فيها الزمخشري، فحلّ كتاب فتح القدير محل كتاب الزمخشري بعد ذلك. علما أن للمقبلي أيضا كتاب بعنوان "الإتحاف في الرد على الكشاف".

وفيما يتعلقُ بعلم أصول الفقه كان الكتاب السائد حتى عهد الشوكاني في الأصول "شفاء غليل السائل عما تحمله الكافل" والمعروف بـ "كافل الطبري" للقاضي علي بن صلاح الطبري، وهو في أساسه شرح لكتاب: "الكافل بنيل السؤول في علم الأصول" لمؤلفه محمد بن يحيى بهران. وكلاهما فقيهان جاروديان متعصبان. فألف الإمام الشوكاني كتابه المعروف: "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول". ومن يومها ساد هذا الكتاب وتسيّد على ما عداه من كتب الأصول، ولا يزال.

من ناحية ثانية أيضا وخلال تاريخ الأئمة من قبله، وحتى تلك الفترة تعمد الأئمة وفقهاؤهم أن يقتصروا في تدويناتهم التاريخية على تاريخ أئمتهم فقط دون غيرهم من اليمنيين، فحيث فتحت أي كتاب من كتبهم لا تكاد تجد إلا الفقيه الفلاني من آل البيت والإمام الفلاني من آل الرسي، وهكذا.

فألف الإمام الشوكاني موسوعته التاريخية في علم التراجم: "البدر الطالع بمحاسن مَن بعد القرن السابع". وعدد فيه العلماء والفقهاء من مختلف الطبقات والفئات، من قحطانية وعدنانية، غير متعصب لفئة دون أخرى، كما يفعل الأئمة وفقهاؤهم، بدون الإشارة إلى سياسته هذه، ولسان حاله: هذا هو اليمن الكبير، وليس من يسمون أنفسهم آل البيت فقط.

وحين كان كهنة الإمامة لا يأخذون من الأحاديث النبوية إلا ما وافقَ هواهم فقط مما يسمونها أحاديث آل البيت، وأغلبها ــ إن لم تكن كلها ــ مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألّفَ الإمامُ الشوكاني موسوعته الحديثية "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة"؛ حيث فنّد دعاواهم وردّ ما يسمونها أحاديث تمجدهم وتُعلي من شأنهم.

وحين شاعت فكرة لعن الصحابة والإساءة إليهم من قبل غلاة الهادوية في عصره قارعهم الحجة ونازلهم مواقفهم الغالية في الرفض، فألف كتابه" إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي". وقد قال الشوكاني بنفسه عنه:

"ولما ألفت الرسالة التي سميتها: إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي، ونقلت إجماعهم من ثلاثة عشر طريقة على عدم ذكر الصحابة بسبٍّ أو ما يقاربُه وقعت هذه الرسالة بأيدي جماعة من الرافضة الذين بصنعاء.. فجالوا وصالوا، وتعصبوا وتحزّبوا، وأجابوا بأجوبة ليس فيها إلا محض السِّباب والمُشاتمة، وكتبوا أبحاثا نقلوها من كتب الإمامية الجارودية.."، مشيرا إلى أنه لم يقصد من الرسالة "إلا مجرد الذب عن أعراض الصحابة الذين هم خير القرون".

وحين بالغ الأئمة وفقهاؤهم في تقديس قبور وأضرحة أسلافهم وجعلوا منها مزارات، كما جعلوا لها قبابا وعتباتٍ يكادون يقدسونها، ألّفَ " شرح الصدور بتحريم رفع القبور".
إلى جانب هذه المواقف العلمية التاريخية أسس مدرسة في القضاء، بعدالته الصّارمة وفكره المستنير، وأسهم ــ إلى حد كبير ــ في الحد من ظلم الإمامة وولاتهم وعُمّالهم في مختلف أصقاع البلاد حينها.

لهذا حقد عليه الأئمة وغلاة الهادوية مع أتباعهم من بعده إلى حد أن بلغ الحقد بالإمام الناصر عبدالله بن الحسن، ت:1256هـ أن قرر نبش قبر الإمَام الشَّوكاني وإحراقه، لولا أنه تراجع حين هددت قبائل خولان التي ينتمي إليها الشَّوكاني بالهجوم على صنعاء. بعدها أمر اليهود بالوقوف على قبر المهدي عبدالله وقراءة التوراة عليه، لإقراره الشوكاني على منصبه بعد أبيه وجده..!

هذا هو الإمام الشوكاني شخصية علمية تجديدية وسياسية، مناوئة للكهانة والزيف المتسربل زُورًا بالدين. شكلت معارفه ونتاجاته ثقافة جديدة للجيل الذي تلاه وإلى اليوم، وقد كان الناس قبله غارقين في وحل ثقافة الكهانة الإمامية الزائفة بتعصبها المقيت.